القاضي عبد الجبار الهمذاني
218
المغني في أبواب التوحيد والعدل
أي وجه يؤمنون عنده . وإن لم يكن ذلك في ظاهره ، بطل تعلقهم بالظاهر ، وصاروا بما ذكروا أنه المراد متأوّلين للآية على ما لا يقتضيه ظاهرها ، كما نفعله نحن إذا حملناها على أن المراد بها الإلجاء ، فكيف يصح تعلقهم بما ذكروه ؟ وبعد : فإن قوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى في ظاهره ما يبين ما قلناه ؛ لأنه نسب اجتماعهم إليه تعالى ، فلا بدّ من أن يكون ما اجتمعوا عليه - أو ما أوجبه - من قبله ، ولا يكون إلا بالإلجاء . فإن قال : فقد يقال ذلك إذا قوى دواعيه فاجتمعوا لأجلها كما قال تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ « 1 » . قيل له : قد يقال ذلك لكن الوجه الأول أقوى في الاستعمال ، وأقرب إلى الحقيقة من حيث فعل بهم ما يوجب فيهم الاجتماع ؛ فبأن نحمل الظاهر عليه أولى . وأما قوله وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ففي آخره ما يدل على ما قلناه ، وهو قوله أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . فلولا أن المراد بالكلام طريقة الإكراه لم يكن لهذا الكلام معنى . وأما قوله تعالى وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ففيما قبله دلالة على المراد به بخلاف ما توهموه ، وهو قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ . فخبر تعالى عن حالهم في الآخرة وقت حلت بهم العقوبة ، وأنهم يطلبون عند ذلك الرجعة والخلاص مما عاينوه ، فقال تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها يعنى ما التمسه المجرمون من الخلاص والنجاة ، لأنه متى لم يحمل على هذا القول لم يتعلق بما تقدم ولا جرى مجرى الجواب له .
--> ( 1 ) يريد أن المقصود بالآية أنه تعالى لو شاء لهداهم مجتمعين متألفين والآية وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ من سورة الأنفال رقم 63 .